عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
44
معارج التفكر ودقائق التدبر
ولمّا كانت التربية الحقيقيّة لكلّ شيء في الوجود سوى اللّه عزّ وجلّ صفة من صفات اللّه عزّ وجلّ ، كان سبحانه هو ربّ العالمين ، وربّ كلّ شيء . ولهذا جاء وصفه في القرآن المجيد بأنّه : « رَبِّ الْعالَمِينَ - و رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ - و رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ - * و رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - و رَبُّ الشِّعْرى ( - نجم كان يعبد في الجاهلية ) - رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ - * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ - بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ - بِرَبِّ الْفَلَقِ - بِرَبِّ النَّاسِ ، وربّ البيت ( - الكعبة المشرفة ) » . فالرّبوبيّة هي الوصف الجامع لكلّ صفات اللّه ذات العلاقة والأثر في مخلوقاته ، واسم « الرّبّ » هو الاسم الدّالّ على كلّ هذه الصفات . وهنا نلاحظ أنّ اللّه جلّ جلاله قد اختار بعلمه وحكمته لعمليّات خلقه وإبداعه لمخلوقاته ، وهيمنته على كلّ ما خلق بدءا ودواما أن يكون على نظام التربية التي سبق شرح معانيها ، لا على نظام الخلق دفعة واحدة ، ثمّ ترك المخلوق يسير وفق البرنامج الموضوع له ، دون إمداد ورعاية وحفظ وتعهّد من خالقه ، بل خلق الخلق وفق نظام لا يستغني فيه المخلوق عن خالقه طرفة عين ، ولا أقلّ من ذلك ، في صغير وكبير من ذاته ومن صفاته ، فلو رفع إمداده عن كونه ، وإمساكه له في الوجود خلال أقصر زمن ، لعادت الموجودات إلى أصلها وهو العدم . هذا هو نظام التربية ، فللّه عزّ وجلّ الرّبوبيّة المستمرّة الّتي لا تنقطع ، والمؤثّرة بكلّ شيء في الكون من غيبيّ ومشهود ، مادّيّ أو معنويّ ، دلّ على هذه الحقيقة قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( فاطر / 53 مصحف / 43 نزول ) : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 41 ) .